المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قتيلٌ في بغداد


أنصار الحسين
05-08-2004, 04:17 PM
شهيد الواجب في الرياض، وقتيلٌ في بغداد !!
04/08/2004م
عندما يسقط أحد أفراد الشرطة أو الحرس، أو الجيش أو القوّات الخاصة، عندما يسقط أي فرد من أفراد الأمن قتيلاً على يد الإرهابيين، تقوم كل وسائل الإعلام السعودية بتغطية واسعة لأسرته وأن القتيل «شهيد الواجب» وأنه يدافع عن وطنه ودينه. لا خلاف على ذلك، بل يستحقون هؤلاء الشهداء وعائلاتهم أكثر من الكلمات، فهم الدرع الأول في مواجهة الإرهابيين. لكن ألا يحق لنا أن نتساءل لماذا تقوم نفس وسائل الإعلام هذه بنعت ضحايا الشرطة العراقيين والحرس الوطني والجيش ومن يحمي المنشآت الرئيسية كمحطات رفع الماء وإنتاج والكهرباء ومصافي النفط، ومن يدافع عن شعبه ووطنه، تنعتهم «بالقتلى» وأن من قتلهم هم من «المقاومة» والقتلى «عملاء للاحتلال» كتبرير لقتلهم؟

على نفس الصفحة التي كتبت عن الإرهابيين (صحيفة الرياض – 4 أغسطس 2004 م) وعن مقتل المقيم الايرلندي، كتبت خبراً آخر وهو مقتل عقيد في الشرطة وعدد من أفراد الحرس الوطني العراقي. ألا يحق لنا أن نُسمّيهم شهداء لأنهم يدفعون الثمن بحياتهم لحماية الشعب العراقي؟ أليسوا شهداء لأنهم يحمون البُنية التحتية من شبكات مياه وهاتف وكهرباء، ويحمون ثروات الوطن من أنابيب ومصافي للنفط، يحمونها من المُخرّبين الإرهابيين؟ أليسوا شهداء لأنهم يحمون المؤسسات الحكومية مثل مراكز الشرطة والتدريب والوزارات، كما يحميها جنودنا في الوطن حفظهم الله من كل مكروه؟ أليسوا شهداء لأنهم يكافحون الجريمة المنظمة والإرهابيين من اختطاف واغتيال وقتل وتفجير؟ أليسوا يدافع عن أمن الشعب العراقي حين يقومون بواجبهم في إخماد الحرائق وتسيير حركة المرور والقبض على اللصوص؟ إذاً لماذا لا نسميهم شهداء؟

العديد من كُتّاب الدولار والتيار المتطرف «الوهابي والإخواني» بعضهم من أبرز الكُتّاب العرب تحدث عن وجود حكومة غير شرعية عميلة للاحتلال وأن المتعاونين معها هم مثل الحكومة العراقية «العميلة» مُشيدين بعمليات «المقاومة» ضد هؤلاء. طبعاً صحفنا ومجلاتنا تفعل نفس الشيء حين التحدث عن العراق، خاصةً مجلات الإرهاب مثل المستقبل الإسلامي التي تصدرها الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ومن يقرأ هذه المجلة يعتقد جازماً بأنها الوجه القبيح لبن لادن متلبسة بمسوح الدين الإسلامي. كذلك هناك أكثر من كاتب من دول عربية يكتبون في صحفنا السعودية بنفس المنطق وكأن صُحُفنا لا ترى ما يحدث في البلاد من دمار على يد الإرهابيين حين تقوم بتبرير أعمالهم في العراق والنيل منهم هنا.

إذا كان التبرير من أن الحكومة العراقية غير شرعية، فهذا يمكن تفسيره بأكثر من طريقة. إذا كانت الشرعية تعني أن تكون الحكومة العراقية منتخبة، فلا توجد حكومة عربية منتخبة، مما يعني أن العراق ليس مختلفاً عن ذلك، ولم تكن حكومة صدّام المجرم حكومة منتخبة أيضاً. إذا كانت الشرعية تعني أن تقوم الحكومة بتطبيق تعاليم الدين الإسلامي، فهذا أبعد ما يكون عن الحكومات العربية التي لم تطبق أحكام الشريعة إلاّ ما كان في صالح استمرار الحكومة مثل طاعة ولي الأمر حتى لو كان فاسقاً وما شابه من الأحاديث الموضوعة التي تكرّس الاضطهاد وتضفي الشرعية على حكومات الاستبداد. إذا كانت الشرعية تعني تطبيق القوانين التي تحترم حقوق الإنسان وتؤمن بالمساواة والعدالة والمجتمع المدني وحرية التعبير، فالعراق تاجٌ على رؤوس كل الحكومات العربية في هذا المجال، بعد أن كان يعيش ظلمات القمع والإرهاب والمقابر الجماعية وقصف الأكراد بالأسلحة الكيماوية. إذا كانت الشرعية تعني أنها لا تمثل جميع أطياف الشعب العراقي، فكل حكومات الدول العربية لا تمثل جميع أطياف الشعب، بل تمثل أقل من 1% من الشعب، وهم الفئة الحاكمة التي تتحكم في مصير الملايين. مع ذلك فالحكومة العراقية تمثل أطياف الشعب العراقي بشكل أفضل من أي دولة عربية، فهي تمثل الشيعة الأكثرية والسنة والأكراد الآشوريين والمسيحيين.

إذاً لماذا هذا التناقض في الإعلام الحكومي السعودي في الوقت الذي تعاني فيه السعودية من أعمال إرهابية بنت أفكارها على معتقدات تحاول الحكومة الفكاك منها وتدعو لها وتدعمها في العراق؟ القضية أصبحت معقدة فالحكومة أصبحت من الضعف إلى درجة تحاول فيها إرضاء التيار الديني بأي شكل، وبالتالي تركت له المجال ليصدح بعيداً عن البلاد، والعراق تربة خصبة لكل من يزايد على الدين ويريد تصفية حساباته، إن كانت مذهبياً مع الشيعة، أو دينياً مع «الكفاّر والمشركين» أو لمصالح أخرى لإبعاد الضربة القادمة عنه، مثل ما تفعل إيران وسوريا الآن في العراق.

إن ما يحدث على الساحة الإعلامية لصيق بما يحدث على أرض الواقع في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا، وهو نفسه يعكس السياسة المرتبكة للحكومة فهي لا تعرف ماذا تفعل، فسياسات الحكومة السابقة أصبحت عديمة الجدوى، والتغيير السريع في الاتجاه المعاكس أفقدها المصداقية. فالحكومة نفسها أصبحت أسيرة سياساتها السابقة، فلا تستطيع حذف كل فتوى أحلت دماء المسلمين وأهل الكتاب، ولا تستطيع سحب الكتب التي طبعتها فيها تكفير للشيعة والصوفية والاسماعيلية واليهود والنصارى. كل ما استطاعت الحكومة فعله هو أن فتحت الباب قليلاً للكتاب الذين ينقدون التوجهات المتطرفة، دون أن تعلنها صراحةً بأن فتاوى بن باز والفوزان وابن جبرين، فتاوى المجلس الأعلى للإفتاء الذي يقوم الملك بتعيين أعضاء، بأن هذه الفتاوى غير صالحة لهذا العصر، على أقل تقدير. فلا يصح لنا أن نطلب من الآخرين أن يدينوا العمليات الإرهابية في السعودية، في الوقت الذي تقوم فيه وسائل الإعلام الحكومية بدعم الإرهابيين في العراق وتسميتهم «بالمقاومة» وإن ضحايا تلك الجرائم هم قتلى عملاء للاحتلال الأمريكي.

إن المصالح العليا للوطن لا تقبل أنصاف حلول ولا التصريحات المتناقضة ولا السياسة الضبابية في هذا الوقت، ولسنا في عصر النبي بعد هزيمة المسلمين في معركة أحد، حين قال أبو سفيان «إن الحرب سجال، يومٌ بيوم بدر» وكان رد عمر بن الخطاب بعد أن أذِن له الرسول «قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار». فهل قتلانا من رجال الأمن في الرياض في الجنة، وقتلى رجال الأمن العراقيين في بغداد في النار؟ سؤال موجه إلى الحكومة السعودية.